رغم الرجة التي كان قد أحدثها البريكست والتي لم تستفق منها إلى اليوم دول الاتحاد الأوروبي، ها هي بولندا اليوم تقطع خطوات قد تكون حاسمة باتجاه الخروج بدورها من إطار البناء الأوروبي. فاعتبار المحكمة الدستورية منذ يومين أن القوانين البولندية أعلى مرتبة من القوانين الأوروبية وأن عديد المبادئ الأوروبية تتعارض مع الدستور البولندي، تعد ضربة موجهة إلى أهم قيمة في البناء الاوروبي المشترك والمتمثلة في علوية القوانين المشتركة على قوانين البلدان الأعضاء.
تـأتي قرارات المحكمة الدستورية هذه في سياق من المواجهة بين الاتحاد الأوروبي وبولندا على خلفية الإصلاحات الأخيرة في مجال العدالة التي اتخذتها الحكومة البولندية المحافظة والتي اعتبرت من قبل بروكسيل حمالة لمخاطر جمة على استقلال القضاء. غير أن هذا الإجراء الأخير لا يعدو أن يكون حلقة من سلسلة من المواجهات بين بولندا وبروكسيل حول حقوق المثليين وحول الإجهاض والتي تمت مراجعتها باتجاه متشدد منذ سنتين.
المفارقة الحقيقية في الحالة البولندية أنها تمثل تقريبا نفس خصائص الحالة التركية التي على أساسها تم رفض دخول أنقرة إلى المحفل الأوروبي. أي حقوق المرأة واحترام الفصل بين السلطات من أجل ديمقراطية متوازنة بالإضافة إلى تهميش المرجعية الدينية في مجال تنظيم المجتمع والبناء القانوني والمؤسساتي. فكأن بولندة، وعلى خلفية توجهاتها المحافظة الأخيرة، تضع أوروبا في مواجهة تناقضاتها إلى حد التشكيك في مقولة التميز الأوروبي على أساس المرجعية الثقافية المشتركة اليهودية المسيحية.
يوجد إذن تهديد فعلي للوحدة الأوروبية من خلال القرارات البولندية المزدوجة الابعاد. ففيها نوع من التبخيس لقوانين البناء الأوروبي المشترك والتي أصبح بالإمكان تجاوزها من أي عضو باسم السيادة الوطنية بالمنطق اليميني المحافظ. كما فيها تبخيس لمفاهيم الحداثة والتقدم التي أسست عليها أوروبا تفوقها على غيرها من الثقافات وخاصة الشرقية منها. فكأن أوروبا تكتشف اليوم أن لها شرقها الخاص بها.
في المقابل يبدو أن الحكومة البولندية واعية تماما بجدية التهديدات الأوروبية. صحيح أن القوانين الأوروبية لا تسمح بطرد أي عضو، لكن لبروكسيل عديد الخيارات التي يمكن تفعيلها وقد بدأ ذلك بالفعل. فها هي أوروبا تجمد مساعدتها التي تقدر بأكثر من 50 ألف مليار أورو من أجل الإنعاش الاقتصادي. ويبدو أن الحكومة البولندية متيقظة لحساسية الوضعية التي هي عليها في مواجهة الضغط المالي لبروكسيل مما دفعها إلى التردد في نشر قرار المحكمة الدستورية في الرائد الرسمي. فهل تخرج الحكومة البولندية قريبا من شعبوية الداخل إلى الواقع الأوروبية؟
الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم
اشترك