عالقة بين أميركا والاتحاد الأوروبي والصين.. هل أصبحت بريطانيا معزولة في المشهد العالمي؟

بعد مغادرة بريطانيا عباءة الاتحاد الأوروبي رسميا في 31 يناير 2020، تكشفت سلبيات عديدة مطروحة على طاولة النقاش السياسي والاقتصادي في البلاد وتساؤلات عن مدى قدرتها على المنافسة مع الكتل التجارية الثلاث الكبرى في المعركة العالمية. فهل أصبحت لندن عالقة بين دول الاتحاد وأميركا والصين؟

كشك هاتف في شمال بريطانيا
كشك هاتف في شمال بريطانيا © فليكر (Neil Williamson)
إعلان

أدى خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي - وهي الآن شراكة اقتصادية وسياسية تضم 27 دولة - إلى إنهاء ما يقرب من نصف قرن من العضوية البريطانية في الاتحاد الأوروبي والمؤسسات التي سبقته.

ويمثل "البريكست" - وهو اختصار لكلمة "بريطانيا" و "خروج" - أهم تعديل دستوري عرفته المملكة المتحدة منذ انضمامها إلى المجموعة الاقتصادية الأوروبية المكونة من ست دول في ذلك الوقت في عام 1973. وهي أيضا المرة الأولى التي يفقد فيها الاتحاد الأوروبيأحد أعضائه.

أقطاب عالمية وبريطانيا غائبة

عادة ما يتم الحديث عن ضعف سياسة دولة ما انطلاقا من رصد ما يجري داخل كواليس مؤسساتها الداخلية وأحزابها الرئيسية قبل تقييم وضعها في السياسة الخارجية.

ويبدو أن استقالة رئيس الوزراء الأسبق بوريس جونسون "المفاجئة" أظهرت مدى تصدع وانقسام الحزب المحافظ قبل عام من الانتخابات التشريعية، رغم توقعات محللين ووسائل إعلام أنه لا ينوي التزام الصمت والانسحاب من الحياة السياسية بشكل نهائي.

والواقع أن هناك أدلة على بعض "الندم على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي" بين الجمهور البريطاني، حيث تشير بعض استطلاعات الرأي إلى أن الغالبية المتزايدة من الناخبين يأسفون الآن لرحيل المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي.لكن هناك القليل من الرغبة في مراجعة العلاقة الرسمية للمملكة المتحدة مع الاتحاد الأوروبي.

وحتى في تلك الدوائر التي سجلت أعلى الأصوات لمغادرة الاتحاد الأوروبي في عام 2016، يعتقد أكثر من ضعف عدد الناخبين الآن أن أفضل طريق للمضي قدما هو التحرك في الاتجاه المعاكس وإقامة علاقات وثيقة مع بروكسل.

وقد أدى وصول ريشي سوناك إلى داونينج ستريت إلى عودة الاضطرابات السياسية التي أسقطت أسلافه بوريس جونسون وليز تروس.لكن تداعيات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي استمرت في زعزعة حزب المحافظين الحاكم، حيث لا يزال تأثير الفصائل المتشددة المناهضة للاتحاد الأوروبي التي قد تقاوم التسوية مع الاتحاد الأوروبي قويا.

وعلى الرغم من بقاء بعض القضايا عالقة دون حل، أصبح المزاج بين لندن وبروكسل أكثر دفئا في النصف الأخير من عام 2022. ويعود ذلك إلى معدلات استطلاعات الرأي الضعيفة باستمرار لحزب المحافظين والاحتمال الواضح بأن الانتخابات المقبلة في المملكة المتحدة، المقرر إجراؤها بحلول يناير 2025، قد تؤدي إلى تغيير الحكومة.

تم تخفيف الخلاف بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى حد ما من خلال الاعتراف بالحاجة إلى الوحدة الأوروبية مع أوكرانيا.لكن بالنسبة للكثيرين في أوروبا، أدى الطلاق السياسي والاقتصادي إلى إضعاف القارة حيث تحاول مواجهة التحديات العالمية بما في ذلك الحرب الروسية، والانكماش الاقتصادي الذي أعقب الوباء، وحالة الطوارئ المناخية والتهديدات التي تشكلها الصين وإيران.

البريكست.. فاتورة ثقيلة

بعد ثلاث سنوات من تمزق العلاقات الاقتصادية مع أوروبا، لا يبدو أن بريطانيا في حال جيدة إذ أصبحت تمتلك أدنى معدل نمو بين دول مجموعة السبع ويتوقع صندوق النقد الدولي أنها ستكون الاقتصاد الرائد الوحيد الذي يتقلص هذا العام.

وبالطبع، لا يعتبر خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي السبب الوحيد وراء ضعف الأداء الاقتصادي، إلا أنه عامل مهم.

فقد تضررت التجارة البريطانية بشكل كبير بسبب خروجها من السوق الموحدة، ما أدى إلى انخفاض التجارة في السلع مع الاتحاد الأوروبي بشكل كبير بعد انتهاء الفترة الانتقالية لخروج بريطانيا من الاتحاد، حيث انخفضت واردات المملكة المتحدة بنحو 25%، وهو اتجاه استمر طوال عام 2021.

كما انخفض الانفتاح التجاري البريطاني - الذي يُقاس بنسبة التجارة بالنسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي - بمقدار 8 نقاط مئوية بين عامي 2019 و 2021، مدفوعا بانخفاض حاد في التجارة مع الاتحاد الأوروبي.ومما لا شك فيه، فقد كان لتداعيات وباء كوفيد-19 حصته السلبية أيضا.

ويمكن رؤية ارتفاع تكاليف التجارة ليس فقط في البيانات الإجمالية، ولكن أيضا في المعاملات الأساسية التي تواجهها الشركات البريطانية بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك، التصريحات الجمركية والتصدير التي يجب على الشركات أن تملأها عند نقل البضائع من المملكة المتحدة بأكثر من ثلاثة أضعاف بعد مغادرة المملكة المتحدة للسوق الموحدة والاتحاد الجمركي، في حين زادت إقرارات الاستيراد بنسبة 50 في المائة خلال هذا الوقت.

وتعتبر هذه زيادة غير مسبوقة في معاملات الشركات المحلية إذلا يؤدي ذلك إلى زيادة تكلفة التجارة فقط - مما يلحق الضرر بالشركات الصغيرة التي لا تستطيع استيعاب التكاليف الإضافية - ولكنه يساهم أيضا في ارتفاع أسعار السلع الأساسية بالنسبة للمستهلكين.

وتتزايد الأدلة على الأضرار التي لحقت باقتصاد المملكة المتحدة وتجارتها نتيجة للحواجز التجارية بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي والبيروقراطية الإضافية والتكاليف التي يتحملها المصدرون والمستوردون.فقد نشرت صحيفة الغارديان بيانات من كلية لندن للاقتصاد (LSE) تظهر أن الأسر البريطانية دفعت 7 مليارات جنيه إسترليني منذ خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي لتغطية التكلفة الإضافية لواردات الغذاء من الاتحاد الأوروبي الناتجة عن الحواجز التجارية الجديدة.

من جانبه، أعلن رئيس الوزراء البريطاني ريشي سوناك والرئيس الأمريكي جو بايدن الأسبوع الماضي عن "إعلان الأطلسي" في مؤتمر صحفي مشترك في البيت الأبيض، متجاهلين فشل سوناك في الوفاء بالوعد الذي قطعه في عام 2019 للتوصل إلى اتفاق تجارة حرة مع الولايات المتحدة.

وأكد سوناك حينها على "العلاقة الخاصة" لبريطانيا مع الولايات المتحدة، مشيرا إلى أن "دولا مثل الصين وروسيا مستعدة للتلاعب بانفتاحنا واستغلاله، وسرقة ملكيتنا الفكرية، واستخدام التكنولوجيا لغايات استبدادية أو سحب موارد مهمة مثل الطاقة".

وتعليقا على ذلك، رأى عدد من المحللين الاقتصاديين الإعلان بمثابة "حفظ لماء الوجه" و"تستر" يهدف إلى إخفاء حقيقة أن لندن غير قادرة على تأمين صفقة التجارة التي ترغب بها واشنطن.

وفي مقابلة لصحيفة "غلوبال تايمز"، قال كوي هونغ جيان مدير قسم الدراسات الأوروبية فيصرح معهد الصين للدراسات الدولية: "ينما تفشل بريطانيا في تنفيذ الصفقة التجارية، لا تزال بريطانيا تسعى إلى إحياء علاقاتها مع الولايات المتحدة. ومواءمة نفسها مع الاستراتيجيات الاقتصادية الجديدة للولايات المتحدة هي فقط التي تسمح بذلك".

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

ابق على اطلاع دائم بالأخبار الدولية أينما كنت. حمل تطبيق مونت كارلو الدولية

شارك :