إعلان فرنسا زيادة رؤوسها النووية و"ردعا مشتركا" يثير اهتمام الحلفاء الاوروبيين

أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الاثنين 2 مارس/آذار، من قاعدة إيل لونغ في بريتاني حيث ترابط الغواصات النووية الفرنسية، تحديث العقيدة النووية لبلاده للمرة الأولى منذ فبراير/شباط 2020، في خطوة تعكس تحوّلاً استراتيجياً، فيما أثارت تصريحاته بشأن تعزيز التعاون في مجال الردع الأوروبي نقاشا في وارسو وبرلين حول ملامح مظلة نووية أوروبية محتملة.

ألقى الرئيس إيمانويل ماكرون خطابًا طال انتظاره في جزيرة إيل لونغ، كروزون (29)، بالقرب من بريست، في مقر القوة البحرية الاستراتيجية، حول دور القوة النووية الفرنسية في تعزيز الأمن في أوروبا.
ألقى الرئيس إيمانويل ماكرون خطابًا طال انتظاره في جزيرة إيل لونغ، كروزون (29)، بالقرب من بريست، في مقر القوة البحرية الاستراتيجية، حول دور القوة النووية الفرنسية في تعزيز الأمن في أوروبا. © ليونيل لو سو / ماكس بي بي بي
إعلان

وقال ماكرون في مستهل خطابه: "لسنوات الست الماضية، بالنسبة لفرنسا كما لأوروبا، تعادل عقوداً، والأشهر الأخيرة تعادل سنوات، لقد تغيّر منافسونا، وكذلك شركاؤنا، والعالم يزداد صلابة، والساعات الأخيرة أثبتت ذلك مجدداً".

ويأتي التحديث في ظل النزاع الجديد بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، واستمرار الحرب في أوكرانيا، وتسارع تحديث الترسانة الصينية، وتطوير روسيا لأسلحة جديدة، وهي عوامل دفعت الإليزيه قبل أيام إلى الحديث عن "أجواء نووية".

زيادة في الرؤوس النووية وغواصة جديدة

منذ وصوله إلى السلطة عام 2017، أطلق ماكرون برنامج تجديد شامل للترسانة النووية، وأعلن الآن أنه أمر بزيادة عدد الرؤوس النووية الفرنسية، إلى جانب بناء غواصة نووية جديدة حاملة للصواريخ الباليستية يفترض أن تدخل الخدمة عام 2036.

وأكد الرئيس أن الهدف "ليس الدخول في سباق تسلح"، بل "ضمان احتفاظ الردع الفرنسي بقدرته على التدمير المؤكد".

"ردع متقدّم" ببعد أوروبي

في موازاة ذلك، طرح ماكرون مشروع "الردع المتقدّم"، معتبراً أن القوة في ظل التوترات المتصاعدة تتطلب "مزيداً من الوحدة"، ووصف المبادرة بأنها "مسار تدريجي" و"مكمّل تماماً" لردع حلف شمال الأطلسي (الناتو).

ويقضي المشروع بإتاحة مشاركة الدول الأوروبية الراغبة في المناورات النووية الفرنسية، مع احتمال نشر طائرات فرنسية مزوّدة بقنابل نووية لدى حلفاء أوروبيين يمكنهم استضافة "قوات جوية استراتيجية" قادرة على "الانتشار في عمق القارة الأوروبية" بهدف "تعقيد حسابات الخصوم".

وستكون ألمانيا شريكاً رئيسياً في هذا الإطار، فيما أبدت سبع دول اهتمامها: المملكة المتحدة، بولندا، هولندا، بلجيكا، اليونان، السويد والدنمارك.

وشدد ماكرون على ثابت أساسي في العقيدة الفرنسية قائلاً: "لن يكون هناك أي تقاسم للقرار النهائي، ولا لتخطيطه ولا لتنفيذه، إنها صلاحيات تعود حصراً لرئيس الجمهورية".

واختتم خطابه برسالة لافتة قائلاً إن "نصف القرن المقبل سيكون عصراً للأسلحة النووية"، مؤكداً أن فرنسا ستؤدي دورها كاملاً خلال هذه المرحلة.

بولندا "مهتمة"

في بولندا، إحدى الدول المهتمة باستضافة بنى تحتية استراتيجية فرنسية، برزت ردود فعل داعمة، في ظل اعتبار وارسو نفسها في الخط الأمامي لمواجهة التهديد الروسي منذ الغزو واسع النطاق لأوكرانيا.

وكتب رئيس الوزراء البولندي على منصة إكس: "نتسلح مع أصدقائنا حتى لا يجرؤ أعداؤنا على مهاجمتنا".

وفي الشارع، رأى بعض المواطنين أن استضافة رؤوس نووية فرنسية أمر منطقي لتعزيز القدرة على الردع، فيما أبدى آخرون تحفظاً، مؤكدين ضرورة وجود رأي وطني في حال نشر مثل هذه الأسلحة على الأراضي البولندية.

وأكد ماكرون مجدداً أن فرنسا ستحتفظ بالقرار النهائي بشأن تفعيل أي رؤوس نووية قد تُنشر لدى حلفائها.

تقارب متجدد بين باريس وبرلين

في برلين، حيث كانت السياسة الدفاعية تقليدياً أكثر حذراً، يبدو أن المستشار فريدريش ميرتس يتجه نحو مقاربة أكثر انخراطاً في ظل حالة عدم اليقين الدولية وتراجع وضوح الالتزام الأميركي.

في البرلمان الألماني (البوندستاغ)، رحّب النائب عن الحزب الديمقراطي المسيحي، رولان تايس، بخطابٍ يرى أنه يعزز الردع الفرنسي ويخدم مصالح برلين.

واعتبر رئيس مجموعة الصداقة الفرنسية الألمانية في البوندستاغ ذلك دليلاً على نجاح التعاون الثنائي بين باريس وبرلين رغم التوترات الأخيرة، وأن هذا التعاون يُسهم في تعزيز الأمن الأوروبي.

وقررت باريس وبرلين إنشاء مجموعة توجيه نووية لتعزيز التنسيق في مجال الردع، مع بحث مشاركة ألمانية في المناورات النووية الفرنسية اعتباراً من هذا العام.

جدل في فرنسا

أثارت هذه التوجهات نقاشاً حاداً في الداخل الفرنسي، لا سيما بعد تكهنات في الأسابيع الأخيرة بشأن احتمال تقاسم السلاح النووي مع شركاء أوروبيين.

ورحب حزب "الجمهوريون" بتأكيد ماكرون احتفاظ باريس بالقرار السيادي، وقال النائب جان-لويس تييريو إن الرئيس "ذكّر بسيادة قرار استخدام السلاح النووي، وهو اختصاص حصري لرئيس الجمهورية"، مؤكداً عدم المساس بمبادئ الردع التي أرساها الجنرال ديغول.

كما أيد زيادة عدد الرؤوس النووية.

في المقابل، انتقد النائب توما بورت من حزب "فرنسا الأبية" ما اعتبره "سباق تسلح خطيراً"، قائلاً: "لا أريد رئيساً يستعرض عضلاته، الاعتقاد بأن امتلاك مزيد من الأسلحة يحقق السلام هو أمر خاطئ".

أما الحزب الاشتراكي فاتخذ موقفاً أكثر حذراً، إذ أعربت النائبة ديينابا ديوب عن معارضتها لزيادة الرؤوس النووية، مشيرة إلى أن القرن الماضي شهد مساراً لخفض القدرات النووية، وداعية إلى "مكافحة التصعيد والعمل على حلول أوروبية".

وفي اليمين المتطرف، اعتبرت النائبة الأوروبية ماريون مارشال أن تصريحات الرئيس لا تمسّ بأسس العقيدة النووية الفرنسية.

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

ابق على اطلاع دائم بالأخبار الدولية أينما كنت. حمل تطبيق مونت كارلو الدولية

شارك :