فكرة أوروبية لـ"انضمام" كندا.. مقابل تهديدات ترامب بـ"ضم" غرينلاند؟
قبل سفره إلى الشرق الأوسط أعاد وزير الخارجية الفرنسي جان-نويل بارو، خلال مشاركته في مؤتمر "أوروبا 2026" في برلين، طرح فكرة تقارب غير مسبوق بين كندا والاتحاد الأوروبي، في سياق ما وصفه بتزايد جاذبية الاتحاد لشركاء خارج حدوده.
نشرت في: آخر تحديث:
وقال إن تسع دول مرشحة رسمياً للانضمام، وقد تلحق بها دول أخرى، مثل آيسلندا خلال أسابيع أو أشهر، قبل أن يضيف مبتسما: "وربما كندا في مرحلة ما"، ما أثار ابتسامات على وجوه الحاضرين.
وفي وقت سابق اقترح الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب على رئيس الوزراء الكندي مارك كارني أن "يفكر" هو أيضاً في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، رغم أن رئيس الحكومة الكندية كان قد أغلق الباب أمام هذه الفرضية في مطلع العام، فإن استطلاعاً للرأي أُجري عام 2025 أظهر أن 44% من الكنديين يؤيدون الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وهو رقم كان من غير الممكن تصوره قبل عقد.
ورغم أن تصريح الوزير الفرنسي لم يكن اقتراحاً رسمياً، لكنه عكس رؤية أوروبية أوسع تسعى إلى ترسيخ الاتحاد الأوروبي كـ"قوة عظمى ثالثة" قادرة على موازنة النفوذ الأميركي والصيني، وقدّم نويل-بارو أوروبا بوصفها في موقع فريد يمكنها من التقريب بين الدول بفضل ثقلها الاقتصادي ونموذجها الديمقراطي وقدرتها التنظيمية، وقال: "العديد من الدول حول العالم ترغب في التقارب مع اتحادنا".
في المقابل، بدت تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب أكثر حدة حين تحدث مراراً عن ضرورة أن "تمتلك" الولايات المتحدة غرينلاند لحماية أمنها في القطب الشمالي، ما أثار قلقاً في الدنمارك وكندا على حد سواء، فهو قبل ذلك طالب كندا بالانضمام إلى الولايات المتحدة وكتب على منصته "تروث سوشيال" أنه "في حال أصبحت كندا ولايتنا رقم 51، ستنخفض ضرائبها بأكثر من 60 في المئة، وستتضاعف أعمالها على الفور".
ورغم تراجع ترامب مؤقتاً عن فكرة ضم كل من كندا وغرين لاند، فإنها فكرة ضم غرين لاند ظلت محور نقاش في اجتماعات قادة دول الشمال الأوروبي مع رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في أوسلو، حيث أكد الجميع أن مستقبل الجزيرة يجب أن يقرره سكانها.
قبل ذلك افتتحت كندا وفرنسا قنصليتين جديدتين في غرينلاند، في خطوة وصفت بأنها رسالة تضامن مع الدنمارك وسكان الجزيرة في مواجهة الضغوط الأميركية، وتم إرسال قوة عسكرية أوروبية إلى الجزيرة ووقعت كندا مع الدنمارك اتفاقا دفاعيا بهذا الخصوص.
وقد حظي كارني باستقبال حار خلال القمة المصغرة التي جمعت قادة النرويج والسويد والدنمارك وفنلندا وآيسلندا، في ظل مخاوف مشتركة من تصاعد التوترات الدولية، سواء بسبب الحرب في الشرق الأوسط وتأثيرها على أسواق الطاقة، أو بسبب التحركات الروسية في أوكرانيا، أو التنافس على النفوذ في القطب الشمالي.
وأصدر القادة بياناً مشتركاً دعوا فيه إلى تعزيز التعاون الدفاعي والاقتصادي، معتبرين أن القانون الدولي واحترام سيادة الدول يظلان الأساس لحفظ الأمن والاستقرار.
وفي هذا الإطار، واصلت كندا تعزيز علاقاتها مع أوروبا، بما في ذلك بحث صفقات لشراء غواصات ألمانية-نرويجية ومقاتلات سويدية، إضافة إلى التعاون في برامج كاسحات الجليد مع فنلندا والولايات المتحدة.
وتعكس هذه التطورات توجهاً كندياً متزايداً نحو تنويع شراكاتها الاستراتيجية وتقليص اعتمادها على واشنطن، خاصة بعد التوترات التي شهدتها العلاقات الثنائية في السنوات الأخيرة.
وتُعدّ كندا ثاني أكبر دولة في العالم من حيث المساحة بعد روسيا، غير أنّ عدد سكانها يبقى منخفضاً نسبياً، ويقدَّر بنحو 41 مليون نسمة، وتمتد أراضيها عبر ست مناطق زمنية، وتطلّ على ثلاثة محيطات، كما تنقسم إدارياً إلى عشر مقاطعات وثلاثة أقاليم.
وتُصنَّف بين أكبر الدول التجارية في العالم وواحدة من أغناها، وإلى جانب قطاع خدمي نشط، تمتلك احتياطياً نفطياً كبيراً، وتُعدّ مصدراً رئيسياً للطاقة والمواد الغذائية والمعادن.
تُعرف كندا بطبيعتها الخلابة الممتدة من الساحل إلى الساحل، وبمدنها النظيفة والآمنة، إلى جانب مجتمعها الودود ومستوى المعيشة المرتفع فيها، كما تستند جاذبيتها إلى أنظمة رعاية صحية وتعليم متقدمة، فضلاً عن اقتصاد مزدهر.
سؤلت المتحدثة باسم المفوضية الأوروبية عن الاستطلاع الذي يوضح تزايد عدد الكنديين الذين يطالبون بالانضمام للاتحاد الأوروبي وأجابت بابتسامة: "نشعر بالفخر لنتائج هذا الاستطلاع، هذا يدل على جاذبية الاتحاد الأوروبي؛ ويُظهر أن عددا كبيرا جدا من الكنديين يُقدّرون الاتحاد الأوروبي وقيمه، لدرجة أنهم يرون أنفسهم بسهولة جزءا منه"، وتابعت: "نتشارك العديد من القيم، ولدينا روابط تاريخية متينة".
هل الانضمام ممكن؟ دون الإجابة صراحةً بـ"لا"، أكد متحدث باسم المفوضية أن هناك "معايير منصوص عليها في المعاهدات"، تنص المادة 49 من معاهدة الاتحاد الأوروبي على أنه "يجوز لأي دولة أوروبية" تحترم، من بين أمور أخرى، قيم الكرامة الإنسانية والحرية والديمقراطية، أن تتقدم بطلب للانضمام إلى الاتحاد.
لكن تحديد ما يشكل دولة "أوروبية" ليس بالأمر البسيط بالضرورة، ولكن إثبات أن كندا تستوفي المعايير قد يكون معقداً، على الرغم من أن الكنديين يتحدثون اللغتين الرئيسيتين المستخدمتين في الاتحاد الأوروبي: الإنجليزية والفرنسية.
يشير باسكال ريشيه في عموده بصحيفة "لوموند": "كندا أشبه بالدولة الثامنة والعشرين في الاتحاد الأوروبي منها بالولاية الحادية والخمسين في الولايات المتحدة".
الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم
اشترك