النواب الأميركي يقرّ إلغاء "قانون قيصر" وترامب يوقعه قبل نهاية العام.. هل ينهض الاقتصاد السوري؟

بعد أخذ ورد صوّت مجلس النواب الأميركي لصالح مشروع قانون يُنهي العمل بعقوبات "قيصر" المفروضة على سوريا، والتي وُضعت خلال فترة حكم النظام السابق، وجرى تمرير المقترح ضمن حزمة الإنفاق الدفاعي الأكبر المعروفة باسم قانون تفويض الدفاع الوطني، ماهي تفاصيل المشروع؟، وماهي الشروط المراقة لرفع العقوبات، وهل يضع السوريين أمام بداية انفراج أم أمام اختبار أكبر، ومن أين يمكن أن يبدأ النهوض الاقتصادي في البلاد؟

الفواكه الاستوائية عادت لأسواق سوريا
الفواكه الاستوائية عادت لأسواق سوريا © أ ف ب
إعلان

وينتقل المشروع الآن إلى مجلس الشيوخ حيث يمتلك الجمهوريون أغلبية مريحة، للتصويت المتوقع الأسبوع المقبل قبل نهاية العام، ثم يرفع إلى مكتب الرئيس دونالد ترامب للتوقيع، ليدخل الإلغاء حيز التنفيذ فور المصادقة الرسمية.

وفي حال إقراره، سيؤدي القانون إلى إلغاء قانون قيصر لعام 2019 الذي فرض عقوبات واسعة على الحكومة السورية في سياق الحرب، كما سيُلزم البيت الأبيض بتقديم تقارير دورية تؤكد أن الحكومة السورية الجديدة تكافح الجماعات المتشددة وتحمي حقوق الأقليات الدينية والإثنية.

ووقع قانون قيصر في عهد الرئيس دونالد ترامب خلال ولايته الأولى، لكن التطورات انقلبت رأساً على عقب في ديسمبر 2024 عندما أطاحت قوات المعارضة بنظام الأسد، الذي فرّ إلى روسيا، ومنذ عودته إلى البيت الأبيض، ألغى ترامب العديد من العقوبات، وعزز التعاون مع الرئيس أحمد الشرع الذي قاد عملية إسقاط الأسد.

"شروط غير ملزمة"

ويشترط إلغاء القانون أن تبعد الحكومة السورية أو تتخذ خطوات لإبعاد المقاتلين الأجانب من المناصب العليا في حكومة سوريا، بما في ذلك في مؤسسات الدولة والأمن، إضافة إلى خطوات تحترم حقوق الأقليات الدينية والإثنية في سوريا، بما في ذلك حرية العبادة والمعتقد، وتسمح بالتمثيل العادل والمتكافئ في الحكومة، بما يشمل الوزارات والبرلمان.

وكذلك يشترط ألا تقوم بعمل عسكري أحادي الجانب وغير مبرر ضد جيرانها، بما في ذلك إسرائيل، وأن تواصل إحراز تقدم نحو اتفاقيات أمنية دولية، وأن تتخذ خطوات ملموسة وموثوقة لتنفيذ اتفاق 10 مارس (آذار) 2025 الذي تم التفاوض عليه بين حكومة سوريا وقوات سوريا الديمقراطية، بما في ذلك إجراءات متناسبة لدمج القوى الأمنية والتمثيل السياسي، بالإضافة إلى اتخاذها خطوات فعّالة لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وتمويل انتشار أسلحة الدمار الشامل، وفقاً للمعايير الدولية.

وألا تقوم بتمويل، أو مساعدة، أو إيواء أفراد، أو جماعات خاضعة للعقوبات والتي تُشكّل خطراً على الأمن القومي للولايات المتحدة وحلفائها وشركائها في المنطقة.

وبحسب النص يتم رفع عقوبات قيصر نهائياً، مع شروط غير ملزمة، ويتضمن تقريراً تقدمه الإدارة إلى الكونغرس في مدة لا تتجاوز الـ 90 يوماً من تاريخ إقراره، وكل 180 يوماً بعد ذلك على فترة 4 أعوام، يفصل ما إذا كانت الحكومة السورية تتخذ إجراءات ملموسة وفعّالة للقضاء على التهديد الذي يشكّله تنظيم الدولة الإسلامية والجماعات الإرهابية الأخرى، بما في ذلك "القاعدة" وفروعها بالتعاون مع الولايات المتحدة، لمنع عودة التنظيم.

على التقرير الذي تقدمة إدارة ترامب للكونغرس أن يشمل ما تقوم به الحكومة السورية من خطوات تضمن ملاحقة قضائية فعّالة لأولئك الذين ارتكبوا انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، بما في ذلك المسؤولون عن مجازر بحق الأقليات الدينية وأنها تتخذ خطوات لمكافحة الإنتاج غير المشروع والانتشار الدولي غير المشروع للمخدرات، بما في ذلك الكبتاغون، وعلى الرئيس الأميركي أن يقوم كذلك بإبلاغ الحكومة السورية بنتائج التقرير المطلوب.

وعن إعادة فرض العقوبات، يعطي نص المشروع الرئيس الأميركي صلاحية "إعادة النظر في فرض عقوبات على أفراد "إن لم يتمكن من تقديم إفادة إيجابية خلال فترتين متتاليتين من التقارير المطلوبة" من دون إلزامه بذلك، على ألا تشمل العقوبات هذه عقوبات على استيراد السلع.

خطوة أولى.. هل يعبر الاقتصاد السوري الجسر

يميل كثيرون إلى الاعتقاد بأن إلغاء قانون قيصر سيشكّل تحولاً اقتصادياً فورياً، لكن القراءة المتأنية تُظهر أن رفع العقوبات ليس سوى إزالة حجر واحد من جدار معقّد يحول دون تعافي الاقتصاد السوري، فالإجراء الأميركي الجديد لا يمنح دمشق حرية اقتصادية مطلقة، إنما يستبدل العقوبات بآلية مراقبة صارمة تُراجع كل 180 يوماً، وتُلزم الحكومة السورية بتطبيق ثمانية معايير سياسية وأمنية وحقوقية، من مكافحة الإرهاب إلى حماية الأقليات وإبعاد المقاتلين الأجانب وتنفيذ اتفاقيات محددة، بما فيها اتفاق 10 آذار/مارس مع "قسد".

هذا يعني أن إلغاء قيصر لا يعني نهاية التحدي، وأن تدفق الاستثمارات سيظل مشروطاً بسلوك "الدولة السورية الجديدة" وإصلاحاتها الفعلية.

تحديات كبيرة

ورغم التفاؤل برفع عقوبات قيصر، تكشف تقديرات الأمم المتحدة والبنك الدولي أن كلفة إعادة إعمار سوريا تتجاوز 216 مليار دولار، وهو مبلغ يفوق بكثير قدرة اقتصاد منهك ونظام مصرفي يعاني اختلالات حادة، من تعدد أسعار الصرف وضعف الرقابة إلى غياب السيولة وسيطرة الاقتصاد النقدي، ويرى الخبراء أن أي تدفق مالي مستقبلي مرتبط أولاً باستعادة الثقة بالقضاء والبنك المركزي وبناء بيئة أعمال شفافة قادرة على حماية الاستثمارات.

كما تؤكد المؤسسات الدولية أنها لن تضخ مليارات في اقتصاد ما زالت تحكمه قوانين قديمة وبيروقراطية خانقة، لذلك يصبح التعافي مرهوناً بإصلاحات عميقة تشمل تحديث التشريعات، مكافحة الفساد، إعادة ربط النظام المالي بالعالم عبر "سويفت"، وتأهيل البنوك.

وإلى جانب ذلك، تبقى الكهرباء والغاز والنقل شرطاً أساسياً لانطلاقة اقتصادية حقيقية، إذ يتطلب الأمر استثمارات كبيرة وأتمتة واسعة لقطاعات الدولة قبل الحديث عن نمو فعلي.

ويُرجّح أن يشهد الاقتصاد السوري نقلة من الانكماش إلى نمو إيجابي طفيف خلال الأعوام الثلاثة المقبلة بشرط استكمال الإصلاحات الداخلية.

على مستوى المعيشة

وعلى مستوى المعيشة اليومية للسوريين، فالتوقعات تقول إن التحسن لن يكون سريعا وقد ترافقه تضحيات قصيرة الأمد نتيجة متطلبات الإصلاح، مثل تحرير الأسعار التدريجي وإعادة هيكلة الدعم في وقت يعيش فيه أكثر من 90 في المئة من السوريين تحت خط الفقر.

وهو ما دفع اقتصاديين للتأكيد على ضرورة وضع برامج حماية اجتماعية تُخفف صدمة الانتقال، وإلا سيظل أي تحسن اقتصادي فوقياً لا ينعكس على حياة الفقراء الذين تتجاوز نسبتهم 90 بالمئة بحسب الأمم المتحدة.

رفع عقوبات قيصر ستمثّل بداية مرحلة جديدة، لكنه ليس نهاية طريق التعافي الذي لا يمكن صنعه في بقرار من واشنطن، دون سلسلة قرارات أصعب في دمشق تتضمن إصلاحات، شفافية، إعادة بناء الثقة.

"معجزة"

وسميت هذه العقوبات باسم "رمزي" لمصور سوري، كشف عن صور مروعة توثق انتهاكات ارتكبت في عهد نظام الأسد.

واحتفل السوريون هذا الشهر بالذكرى السنوية الأولى لسقوط الأسد بعروض للألعاب النارية وصلوات وفعاليات عامة، بينما لا تزال البلاد تواجه تحديات كبيرة في طريق التعافي.

وتؤكد الحكومة السورية أن إلغاء ما تبقى من العقوبات خطوة ضرورية لمنح البلاد فرصة حقيقية لتحقيق الاستقرار الاقتصادي، واعتبر محافظ البنك المركزي السوري عبد القادر حصريه تخفيف العقوبات الأميركية "معجزة" في تصريح لوكالة رويترز الأسبوع الماضي.

كما صوّت مجلس الأمن الدولي على رفع العقوبات عن الرئيس الشرع ووزير الداخلية أنس خطاب، اللذين كانا مدرجين سابقاً ضمن لائحة أشخاص يُعتقد أنهم مرتبطون بتنظيمي داعش والقاعدة.

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

ابق على اطلاع دائم بالأخبار الدولية أينما كنت. حمل تطبيق مونت كارلو الدولية

شارك :