تصريحات تبون الأخيرة عن التطبيع مع إسرائيل: تحوّل في الموقف أم تأكيد على الثوابت؟

أثار تصريح الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، في مقابلة مع صحيفة لوبينيون الفرنسية، جدلا واسعا، حيث أعلن أن الجزائر "ستكون على استعداد لتطبيع علاقاتها مع إسرائيل في اليوم ذاته الذي تكون فيه دولة فلسطينية كاملة السيادة". هذا التصريح يمثل تحوّلا ملحوظا عن المواقف السابقة التي عبّرت عنها الجزائر، والتي كانت ترفض التطبيع بشكل مطلق. فهل يعكس هذا الموقف تغيرا جذريا في السياسة الخارجية الجزائرية، أم أنه مجرد تأكيد مشروط للموقف التقليدي؟

الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون
الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون © أسوشيتد برس ( أرشيف)
إعلان

ويُعد هذا التصريح الأول من نوعه لرئيس جزائري، إذ أنه لا يرفض التطبيع بالمطلق كما كان الحال سابقا، بل يربطه، فقط، بقيام دولة فلسطينية مستقلة، دون الإشارة لبقية جوانب القضية الفلسطينية. في السابق، كانت الجزائر من بين الدول التي رفضت بشكل قاطع أي نقاش حول التطبيع مع إسرائيل، معتبرة أن القضية الفلسطينية غير قابلة للمساومة. أما الآن، فإن ربط التطبيع بشرط واضح، وهو تحقيق الدولة الفلسطينية، قد يحمل عدة أبعاد دبلوماسية واستراتيجية.

هذا التحول يضع الجزائر على مسار قريب من بعض الدول العربية الأخرى التي لم تطبع رسميا لكنها تبنت موقفا مشابها، مثل السعودية، التي أعلنت أكثر من مرة أن التطبيع مرهون بإقامة دولة فلسطينية وفق حدود 1967.

ردود الفعل

وأثار تصريح الرئيس الجزائري بشأن التطبيع المشروط مع إسرائيل ردودا مختلفة، كان أبرزها من حركة مجتمع السلم (تيار الإخوان المسلمين في الجزائر)، التي سارعت إلى التذكير بتصريح سابق للرئيس تبون وصف فيه اتفاقيات أبراهام بـ"الهرولة المرفوضة نحو التطبيع".

وفي بيان لها الأحد، اعتبرت الحركة أن الجزائر "تتعرض لمحاولات مشبوهة وضغوط" من حلفاء إسرائيل لجرّها نحو التطبيع، مشيرة إلى أن الموقف الجزائري يجب أن يبقى مبدئيا بعيدا عن أي سياقات إقليمية ضاغطة.

كما حفلت منصات التواصل الاجتماعي بتحليلات متباينة، أرجعت موقف تبون إلى قمة بيروت عام 2002، التي طرحت فيها السعودية مبادرة السلام العربية تحت شعار "الأرض مقابل السلام". المبادرة نصّت على الاعتراف بإسرائيل والتطبيع الكامل معها مقابل انسحابها من "الأراضي المحتلة" عام 1967 وإقامة دولة فلسطينية مستقلة، وهو نفس الطرح الذي قدّمه الرئيس الجزائري في تصريحاته الأخيرة.

ويرى بعض المراقبين أن الجزائر لم تخرج عن موقفها التقليدي، قائلين: "ليس ما قاله تبون جديدا، لأننا نلتزم بمبادرة السلام العربية منذ 2002، ولن تتنازل الجزائر عن موقفها، ولن تخضع لأي ابتزاز أو ضغط أو مساومة قد تأتي في المرحلة القادمة".

دبلوماسية جديدة أم مناورة سياسية؟

يرى محللون أن الجزائر، من خلال تبنيها موقفًا مشروطًا بشأن التطبيع، تحاول التكيف مع التغيرات الإقليمية دون التخلي عن مبادئها التاريخية، مما يمنحها مساحة دبلوماسية أكبر ويجنبها الضغوط الدولية المتزايدة لدفع المنطقة نحو ترتيبات جديدة. ويشير هؤلاء، إلى أن هذا التحول قد يعيد تشكيل العلاقات الجزائرية-المغربية، حيث لم يعد موقف الجزائر رفضا مطلقا، بل أصبح مرتبطا بشرط إقامة دولة فلسطينية، مما قد يعزز مرونتها الدبلوماسية. كما قد يفتح هذا التصريح الباب أمام تحسين علاقاتها مع بعض الدول العربية المطبّعة، مثل الإمارات والبحرين. وداخليا، يهدف هذا الموقف إلى طمأنة التيارات الوطنية التي تشدد على دعم فلسطين، بينما يبعث في الوقت ذاته برسالة إلى القوى الغربية، وخاصة فرنسا والولايات المتحدة، بأن الجزائر ليست معزولة عن التحولات الإقليمية، لكنها تربط قراراتها بشروط واضحة تتماشى مع التزاماتها التاريخية.

كما يُذكر أن هذا الموقف لا يختلف جوهريا عن المواقف التقليدية للجزائر في دعم حل الدولتين، حيث أكدت الجزائر مرارا أن الحل العادل للقضية الفلسطينية هو قيام دولة فلسطينية مستقلة على حدود 1967، وعاصمتها القدس الشرقية. الجديد هنا هو أن الجزائر ربطت بشكل صريح استعدادها للتطبيع بهذا الشرط، وهو ما يجعلها أكثر قربا من الموقف السعودي والمصري مقارنة بالماضي.

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

ابق على اطلاع دائم بالأخبار الدولية أينما كنت. حمل تطبيق مونت كارلو الدولية

شارك :