مدونة اليوم

جمانة حداد: " النار"

نشرت في:

كلما قرأتُ نصوصاً كتبتُها لسنوات خلت، أو تذكّرتُ أموراً فعلتها أو قلتُها أو حتى فكّرتُها في ما مضى، شعرتُ بالعجب، وببعض الاعجاب أيضاً، حيال النار المتقدة التي كانت مستعرة فيّ.

ㅤ
ㅤ ©
إعلان

لا يعني هذا، في أي شكل من الأشكال، أني انطفأت، أو بردت، بل على العكس، لا أزال مشتعلة كبركان، ملتهبة كشمس، بل لعلني صرتُ أكثر تأججاً من ذي قبل. لكنّ الفرق أني أصبحتُ اليوم غيورةً الغيرةَ كلها، وحريصة الحرص كله، على ناري هذه، لا أهدرها يميناً وشمالاً، ولا أقذفها اعتباطياً في كل اتجاه، مثلما كنتُ أفعل في ما مضى.

غضبي، مثلاً، وهو أحد تجسّدات ناريتي الأكثر حضوراً في طباعي وكلماتي وسلوكياتي، بات عندي أغلى ثمناً من أن أضرمه كيفما اتفق، ولأي شخص أو سبب كان. الغضب يُستَحق، تماماً مثله مثل الرضا والمودة - وربما أكثر - ولا ينبغي إهراقه وتبذيره كيفما كان. 

في اختصار، لم أعد اختار معاركي بناء على معيار الفوز والخسارة. لم يعد المهم الربح في ذاته، بل ما إذا كان هذا الربح يستأهل المجهود الذي سوف أتكلّفه من أجله. في هذا المعنى، هناك انتصارات ليست إلا خسائر مُرَوْتَشة، لأن قيمة تلك الانتصارات، إذا ما عاينّاها، لا توازي أثمان الحرب، من وقت وأعصاب وطاقة، فـ"بلاها أحسن". في هذا المعنى أيضاً، هناك خسائر كانت تستحق ركوب الخطر والمخاطرة وبذل الجهد، حتى لو أن الفشل، قبل اتخاذ قرار خوضها، كان يبدو أكثر ترجيحاً من النجاح.

هل هذا نوعٌ من الاستسلام؟ من الانهزامية؟ أنا شبه متأكدة أن لا. أهو نضجٌ إذاً؟ بناء على معرفتي بنفسي، وبواقع مراهقتي الأزلية التي لا أعلم حتى الساعة ما إذا كانت نعمة أم لعنة، أشكّ جداً في ذلك. 

لعله، فقط، شعور دفين بأنها، أي الحياة، حقاً وغالباً، "ما بتحرز" إلا في لحظات ألقها النادرة.

بل لعله، فقط، لسعُ النار، بات الآن أعمق، وأقوى، وأغلى.

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

ابق على اطلاع دائم بالأخبار الدولية أينما كنت. حمل تطبيق مونت كارلو الدولية

شاهد الحلقات الأخرى

  • 02:54
  • 03:11
  • 03:41
  • 03:13
  • 02:45