العراق: مهنة "الصوّافين"..لا تزال شاهدة على زمنٍ كان الدفء فيه يُصنع يدوياً
لاتزال مهنة الصوافين في العراق تصارع الزمن خوفا من الانقراض، والصوف يودّع دفء الماضي بحياكةٍ عصرية جاهزة. لكن الحاج أبو نمر هو آخر من تبقّى في الموصل متشبّثاً بهذه الحرفة وبعصاه وكوم الصوف من حوله. فهل سينجح في البقاء؟
نشرت في:
من زقاق مقابل للمسجد النوري الكبير وسط الموصل ينبعث صوت آلة حلج الصوف، أنين مفاصلها التي أتعبها الزمن يتردد صداه في الأرجاء. وعند زاوية محل عتيق يجلس الحاج أبو نمر آخر الصوافين في المنطقة. تستند عصاه النحيلة والطويلة الى جدار بجانبه. هي ذاتها التي كان يندف بها الصوف حتى يتطاير في الهواء. اليوم لا يتطاير شيء سوى الغبار.
هاي المهنة يا ابن عمي. قبل حوالي خمسين سنة تعلمتها من اخوي هاي الندف بالنسبة للنجف من القطن الندف بالماكينة أو بالعودة من الصوف. تسوى عدل. يصير بالعودة أصفي يمشي وياي. والعصا على قولة الناس. العصا لمن عصا. هذا. هذا سوف لا يتحرك. يخاف. لازم يتحرك فيسمونه . وهنا يسموه مفروشات. هاي المهنة بقت لحد هذا يومك بس قلت يعني الجاهز والمستورد غطى عليها.
عينا أبي نمر تراقبان المارة بصمت ثقيل. ويداه اللتان طالما روضها الصوف ينشغلان بمسبحة ذات خرزات كبيرة. يقول إن المهنة كانت تملأ الأزقة ضجيجا، وكان صوت ندف الصوف علامة على اقتراب الشتاء. البيوت كانت تنتظر لحافا جديدا. أما اليوم فقد غزت الأغطية الجاهزة الأسواق وتراجعت الحاجة إلى الصواف.
العوائل نفسها تغيرت قبل لا الا بالايد. هسه النسوان مال هسه ما يشتغلون بيهن ياخذن جاهز ما يتعبن مثل النسوان قبل ناس تعبت نفسها.
ليس أبو نمر وحده من يشيخ هنا وحيدا في هذا المحل. بل حرفة كاملة تمضي نحوالزوال. عصاه التي تضرب الصوف لتنفخ فيه الحياة وتحشى به وسادة كانت كقرص منوّم ما أن تضع رأسك عليها حتى تنام. أما اليوم وبحسب وصفها القاسي فالوسادة محشوة بالهموم والصوف.
قبل كان يسمى الذهب الأبيض بدون ذهب. قبل ثلاثة آلاف ونصف الكيلو 500 صوب قطن ماكو قطن بعشرة بخمس طعش. ماكو زراعة ماكو.
مهنة الصوافي أصبحت اليوم شاهدا على زمن كان الدفء فيه يُصنع يدويا وتُحاك فيه الحكايات بخيوط من صوف وذكريات.
الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم
اشترك