دافوس 2026 في سويسرا: حضور ترامب يخيم على شعار المنتدى "روح الحوار"

يُفتتح الاثنين 19 يناير/كانون الثاني 2026، الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس السويسرية، في دورة تُعد من الأكثر حساسية منذ سنوات، في ظل ثورة تكنولوجية غير مسبوقة فرضت تغييرات جوهرية في جميع قطاعات الاقتصاد العالمي، وسلاسل الإمداد، والنظام المالي، وفي الوقت نفسه تصاعد الأزمات الجيوسياسية، وتباطؤ الاقتصاد العالمي، وتزايد الشكوك حول مستقبل النظام الدولي والتعددية، ويُعقد المنتدى هذا العام تحت شعار "روح الحوار"، في محاولة لإعادة الاعتبار للنقاش والتفاهم في عالم يزداد انقساما.

مركز المؤتمرات، المركز العصبي للاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس.
مركز المؤتمرات، المركز العصبي للاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس. © ماركوس شرايبر / أسوشيتد برس
إعلان

ويشارك في نسخة 2026 في المنتجع السويسري نحو 3000 شخصية من 130 دولة، بينهم 65 رئيس دولة وحكومة، و400 مسؤول سياسي رفيع المستوى، إضافة إلى قرابة 850 من كبار رؤساء الشركات العالمية، فضلا عن ممثلين عن المنظمات الدولية والمجتمع المدني وقطاع التكنولوجيا، ويعكس هذا الحضور الواسع استمرار دافوس كمنصة مركزية لتقاطع السياسة بالاقتصاد، رغم الانتقادات المتزايدة لدوره وفاعليته.

عودة ترامب إلى الواجهة

يشارك الرئيس الأميركي دونالد ترامب في منتدى دافوس على رأس أكبر وفد أميركي في تاريخ المنتدى، يضم خمسة وزراء بارزين، على رأسهم ماركو روبيو، إضافة إلى مبعوثيه إلى أوكرانيا والشرق الأوسط، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر.

وتشهد هذه الدورة حضورا أميركيا لافتا، تُجسّده خطوة رمزية تمثلت في تحويل كنيسة على شارع بروميناد إلى "بيت الولايات المتحدة الأميركية"، يحتضن فعاليات ومؤتمرات حول قضايا من بينها الذكاء الاصطناعي و"السلام من خلال القوة"، وترعى هذه المبادرة كبرى الشركات الأميركية.

وتتجه الأنظار بشكل خاص إلى عودة الرئيس الجمهوري بعد غياب ست سنوات وإلى خطابه الذي سيركز فيه بشكل كبير على الولايات المتحدة، بينما تتصاعد خلافاتها مع عدد كبير من شركائها وحلفائها، سواء في أوروبا أو آسيا أو حتى داخل فضاء الأمريكيتين شمالا وجنوبا.

وفي الولايات المتحدة نفسها يشعر الناخبون الأميركيون بالغضب من غلاء المعيشة رغم وعود ترامب بـ"عصر ذهبي"، وقد يواجه حزبه هزيمة ساحقة في انتخابات التجديد النصفي الحاسمة في تشرين الثاني/نوفمبر.

ويعني ذلك أن ترامب سيقضي بعض الوقت في دافوس الفاخرة، التي يُنظر إليها غالبا كرمز لانفصال القادة عن هموم المواطنين، في وقت يتفاقم فيه ملف الإسكان داخل الولايات المتحدة.

ويدرك الملياردير ترامب أن مسألة القدرة على تحمل تكاليف السكن باتت إحدى نقاط الضعف في ولايته الثانية، إلى جانب تصاعد الجدل حول نشر الحرس الوطني في بعض الولايات وأساليب عمل شرطة الهجرة.

وقال مسؤول في البيت الأبيض لفرانس برس إن ترامب سيكشف عن "مبادرات لخفض تكاليف السكن" كما "سيُروّج لبرنامجه الاقتصادي الذي وضع الولايات المتحدة في موقع الصدارة عالميا من حيث النمو الاقتصادي".

و أظهر استطلاع للرأي أجرته شبكة سي إن إن الأسبوع الماضي أن 58% من الأميركيين يعتبرون أن عامه الأول في البيت الأبيض كان فاشلا، ولا سيما على الصعيد الاقتصادي.

ذلك بينما يتزايد قلق مؤيدي ترامب إزاء تركيز الرئيس الذي يرفع شعار "أميركا أولاً"، على السياسة الخارجية منذ ولايته الثانية في البيت الأبيض.

اختبار صعب لشعار المنتدى "روح الحوار"

ويرى مراقبون أن خطاب ترامب سيحمل مزيجا من الرسائل الاقتصادية الحمائية والمواقف السياسية الصدامية، والعلاقات مع الصين، والحرب في أوكرانيا، إضافة إلى رؤيته لدور الولايات المتحدة في إعادة تشكيل النظام الدولي، وهو ما يضع شعار "روح الحوار" أمام اختبار عملي صعب مع مقاربات الرئيس ترامب.

لكن ومع توجهه إلى المنتجع سيجد ترامب نفسه مضطرا إلى مواجهة عاصفة عالمية من الأحداث أثارها بنفسه منذ 20 كانون الثاني/يناير 2025.

وبين قمم الجبال السويسرية سيحرص القادة الآخرون على مناقشة التحولات الأخرى التي أحدثها خلال عامه الأول في السلطة، بدءا بالرسوم الجمركية وصولا إلى فنزويلا وأوكرانيا وغزة وإيران.

الاتحاد الاوروبي

وسيكون ترامب مستعدا لعرض قوة أمام عدد من قادة دول حلف شمال الأطلسي (ناتو) الأوروبيين أنفسهم الذين هددهم بفرض رسوم جمركية إذا لم يدعموا مسعاه للسيطرة على غرينلاند من الدنمارك.

وقد أثارت هذه التهديدات مرة أخرى الشكوك حول الحلف الذي شكل إحدى ركائز النظام الاقتصادي الغربي الذي كثيرا ما جرى الاحتفاء به في دافوس، ومن المتوقع أن يزيد الرئيس من ضغوطه على أوروبا في خطابه.

وقال مسؤول في البيت الأبيض إن ترامب "سيؤكد ضرورة أن تتجاوز الولايات المتحدة وأوروبا حالة الركود الاقتصادي والسياسات التي أدت إليها".

ووصف رؤساء وزراء بريطانيا وإيطاليا كير ستارمر وجورجيا ميلوني القرار الأمريكي بفرض رسوم على دول أوروبية بأنه "خاطئ".

 ويعتزم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال تواصله مع نظرائه الأوروبيين طلب "تفعيل آلية الاتحاد الأوروبي لمكافحة الإكراه" في حال تنفيذ الرئيس الأميركي دونالد ترامب تهديداته بفرض رسوم جمركية إضافية، وفق ما أفاد مقربون منه.

وتتيح هذه الآلية التي يتطلب تفعيلها غالبية مؤهلة من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، خصوصا تجميد الوصول إلى أسواق المشتريات العامة الأوروبية أو منع استثمارات معينة.

وأوضح مصدر مقرب من الرئيس الفرنسي أن التهديدات التجارية الأميركية "تثير تساؤلات حول مدى صحة الاتفاقية" المتعلقة بالرسوم الجمركية والمبرمة بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة في تموز/يوليو.

وقال البيت الأبيض لوكالة فرانس برس "لم يتم تحديد أي اجتماعات ثنائية في دافوس في الوقت الحالي".

ويغادر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون المنتجع السويسري مساء الثلاثاء دون لقاء نظيره الأمريكي، مع احتمال تعديل جداول أعمال جميع القادة الأوروبيين.

أوكرانيا تأمل بتوقيع اتفاق

وقال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الجمعة، إنه يأمل أن توقّع أوكرانيا اتفاقيات مع الولايات المتحدة الأسبوع المقبل بشأن خطة إنهاء الغزو الروسي، وفي إشارة إلى المحادثات مع واشطن، قال زيلينسكي: "نأمل أن تتضح الأمور فيما يتعلق بالوثائق التي أعددناها مع الجانب الأميركي، وفيما يتعلق برد روسيا على جميع الجهود الدبلوماسية الجارية"، وأضاف: "إذا انتهى كل شيء، وإذا وافق الجانب الأميركي، فسيكون التوقيع خلال دافوس ممكنا".

ومن المرتقب أن يشارك زيلينسكي في المنتدى الاقتصادي العالمي المنطلق في دافوس.

وفي هذه الأثناء، يجري مفاوضون أوكرانيون في ميامي بالولايات المتحدة محادثات مع المبعوثين الأمريكيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر.

مشاركة قياسية

وأعلن رئيس المنتدى، بورغه بريندي، أن 6 من قادة مجموعة السبع بمن فيهم ترامب، سيحضرون، إضافة لحضور 65 رئيس دولة أو حكومة حتى الآن، وهو رقم قياسي.

ويشارك في منتدى دافوس، من الشخصيات البارزة الأخرى المتوقع حضورها، رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش، والمديرة العامة لمنظمة التجارة العالمية نجوزي أوكونجو إيويالا، بالإضافة إلى عمالقة صناعة التكنولوجيا جنسن هوانغ، الرئيس التنفيذي لشركة إنفيديا، وساتيا ناديلا، الرئيس التنفيذي لشركة مايكروسوفت.

وتحضر الصين في دافوس وسط تصاعد التوترات التجارية والتكنولوجية مع واشنطن، ويتوقع أن يدافع المسؤولون الصينيون عن نموذجهم الاقتصادي، مؤكدين على أهمية الأسواق المفتوحة والتعاون متعدد الأطراف، في مواجهة السياسات الحمائية الأميركية.

ويحضر الرئيس السوري أحمد الشرع، ورئيس الوزراء القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، ورئيس وزراء السلطة الفلسطينية محمد مصطفى.

كما يحضر الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ ويعقد اجتماعات، ويشارك في جلسات عامة.

الشرق الأوسط

وتترقب منطقة الشرق الأوسط نتائج أول اجتماع "محتمل" لـ"مجلس السلام" بشأن غزّة، والذي يتوقع أن يترأسه ترمب على هامش المنتدى.

ويتوقّع أن تُطرح التطورات في إيران على جدول اجتماعات الرئيس الأميركي، وبينما خفّف ترمب من حدّة تهديداته بحق النظام في طهران عقب قمع مظاهرات شعبية هي الأوسع منذ سنوات وسقوط آلاف القتلى، لم يواكب ذلك أي تراجع في مستوى الحشد العسكري الأميركي في المنطقة، فيما تتواصل التقارير الإعلامية عن "ضربة أميركية" محتملة.

كما ستناقش قضايا الشرق الأوسط في دافوس من زاويتي الطاقة والاستثمار، وتبرز مشاركة دول الخليج، ولا سيما السعودية، التي خصصت جناحا خاصا في المنتدى يعرض مشاريع التحول الاقتصادي والتكنولوجي، ضمن رؤية تسعى إلى تقديم المنطقة كفاعل رئيسي في الاقتصاد العالمي الجديد.

وفي الوقت نفسه، لا تنفصل المشاركة العربية عن السياق السياسي، في ظل استمرار الحرب في غزة، والتوترات الإقليمية، ومساعي بعض الدول للعب دور الوسيط بين القوى الكبرى.

أمريكا اللاتينية

وتشارك دول أفريقية وأميركية لاتينية في دافوس 2026 وهي تسعى إلى جذب الاستثمارات، لكنها في الوقت ذاته تعبّر عن قلق متزايد من تهميشها في نظام عالمي يتجه نحو الاستقطاب.

وتبرز تساؤلات حول مستقبل فنزويلا الغنية بالنفط عقب العملية العسكرية الأميركية التي أطاحت رئيسها نيكولاس مادورو، والتي تعد جزءا من نهج ترامب الجديد الحازم تجاه الجوار الإقليمي للولايات المتحدة.

وقد يرغب ترامب أيضا في الاستمتاع بوقته في هذا المكان الخلاب الذي وصفه بـ"دافوس الجميلة" في خطابه المصور أمام الاجتماع قبل عام.

ولطالما كان هذا المنتدى غير ملائم لرجل الأعمال السابق في مجال العقارات بنيويورك ونجم تلفزيون الواقع، والذي كثيرا ما استهزأ بالنخب العالمية عارضا شعبويته، لكن في الوقت نفسه، يستمتع ترامب برفقة الأثرياء والناجحين.

وقوبل ظهوره الأول في دافوس في 2018 ببعض الاستهجان، لكنه عاد بقوة عام 2020 حين رفض "تنبؤات المتشائمين" بشأن المناخ والاقتصاد.

أمن مشدد ورسائل رمزية

على الصعيد الأمني، تشهد دافوس إجراءات غير مسبوقة، مع نشر آلاف العناصر الأمنية واستخدام طائرات مسيّرة مدعومة بالذكاء الاصطناعي، واحتمال اندلاع احتجاجات أو مخاوف من تهديدات أمنية.

ولا تخلو نسخة 2026 من انتقادات حادة للمنتدى الاقتصادي العالمي، الذي يتهمه معارضوه بأنه بات "نادي للنخب"، بينما يدافع المدافعون بالقول إن دافوس، يبقى مساحة نادرة يلتقي فيها صانعو القرار من خلفيات مختلفة في وقت واحد.

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

ابق على اطلاع دائم بالأخبار الدولية أينما كنت. حمل تطبيق مونت كارلو الدولية

شارك :