سوريا

سمر يزبك:"ما يحدث في سوريا هو ثورة العبيد،أناس انتفضوا على أمرَين: الذل والجوع"

تستعد الكاتبة السورية سمر يزبك،الشهر المقبل في فرنسا،لإصدار كتاب شهادات عن أحداث سوريا وكيفية تعامل النظام مع المتظاهرين المدنيين ، كما ستصدر لها روايتها "رائحة القرفة" التي هي بصدد الترجمة حاليا إلى الفرنسية، التقتها مونت كارلو الدولية وسألتها عن معايشاتها في دمشق.

سمر يزبك:"ما يحدث في سوريا هو ثورة العبيد،أناس انتفضوا على أمرَين: الذل والجوع"
إعلان
 
أتيتِ من سوريا وعشت جزءاً كبيراً من الأحداث والانتفاضة التي تشهدها. كنتِ أيضاً شاهدة على الكثير من هذه الأحداث. ماذا يمكن أن تقولي كباب أول للدخول في موضوع سوريا ؟
 
أستطيع أن أتحدث مبدئياً عن شجاعة السوريين، مع التركيز على المظاهرات وما يحدث في المعتقلات. والأهم من هذا كله، أريد أن أتحدث عن سلمية وأخلاقية هذه التظاهرات.
 
لنبدأ إذاً بسلميّة الثورة، هذا الملمح الذي طبعها منذ البداية وحتى اليوم، رغم " الأقاويل" التي حاولت أن تلطخ من سلمية هذه الثورة ونصاعتها.
 
في الشهرَين الأولين لبداية حركة الاحتجاج ، وقبل أن تتحول إلى ما يشبه الانتفاضة أو الثورة، غالباً ما كنتُ حاضرة في حركة الاحتجاجات في دمشق وريفها وضواحيها، وشاهدة على هذه التظاهرات.
 
وأستطيع أن أؤكد لك أنها مظاهرات سلمية، كانت تقوم بها مجموعة من الأفراد المحتجين الذين لهم مجموعة من المطالب التي، أستطيع أن أقول عنها أنها حياتية، تخص حياتهم وشؤونهم.
 
إضافة إلى ذلك، تمت هذه التظاهرات بعد ما حصل في درعا. فكانت جزءاً مما حصل مع أطفال درعا، وهي جزء من وقوف السوريين إلى جانب بعضهم البعض.
 
كانت التظاهرات سلمية بالكامل، ما حملوه لم يكن أسلحة بل عبارة عن أغصان زيتون، وأحياناً ورود، وأحياناً أخرى لافتات كتبت عليها شعارات وطنية، شعارات تعنى بالوحدة السورية بعيداً عن المذاهب والطوائف.
 
كانت هناك شعارات تطرح بشكل دائم عن نبذ الطائفية والعنف، وهي وشعارات أخلاقية بالمعنى العريض، علاقتها ليست فقط بالوضع السوري أو بالمرحلة التاريخية، بل هي شعارات لها علاقة بفكرة الإنسانية العالية المتعارَف عليها منذ زمنٍ طويل.
 
طبعاً كنتُ أيضاً شاهدة على كيفية التعاطي معها. عُوملت هذه التظاهرات وووجهت بعنف وشراسة من قبل رجال الأمن وبعض أزلامهم الذين باتوا يعرفون ويقال لهم " الشبيحة ".
 
في النهاية أستطيع أن أقول أن الانتفاضة خلقت فرع أمن جديد في سوريا هو" الشبيحة". في أي مكان تخرج تظاهرة، هناك "شبيحة " وأزلام للنظام. هؤلاء ليسوا محسوبين ولا على أي فرع من أفرع الأمن ال 19 التابعة للنظام السوري. وهم جهاز غير رسمي.
 
كما " البلطجية " في مصر.
 
أفظع وأقوى وأكثر فاعلية وأكثر ارتباطاً بأجهزة الأمن، وأكثر قدرة على القتل في الحقيقة.
 
هذه التظاهرات السلمية كانت تجابه بهذه الطريقة. كانوا لا يضربون الرصاص من أجل إخافة الناس، ولكن الرصاص كان يوجه من أجل الموت.
 
تظاهرات سلمية جوبهت بالقتل والضرب والاعتقال والخطف. ومع ذلك رغم كل هذه الأحداث، ندخل اليوم في الشهر السادس للانتفاضة السورية الشجاعة.
 
لم يحمل السوريون السلاح. المنتفضون سلميّون، وفكرة العصابات المسلحة هي عبارة عن حجة وضعها النظام وروّج لها في أجهزة إعلامه الخاصة من أجل أن يبرر قتله لمواطنيه، لأفراد الشعب السوريين المسالمين.
 
أنتِ شاركت في الكثير من هذه التظاهرات.
 
شاركت في بداياتها، لكن بعد شهرَين لم أستطع المشاركة.
 
لكنك مع ذلك دخلتِ إلى السجون وأمكنة الاعتقال السورية. وهناك ذكرت أنكِ دخلت إلى الجحيم.
 
أنا لم أُعتقل بشكل رسمي، لم أنم ليلة واحدة في السجون، بل تمّ أخذي عدة مرات. طبعاً رأيت أشياء لم أكن أتخيل أني سأراها في يوم من الأيام، حتى عندما كنتُ أرى هذه الزنازين، كنتُ أظن أني في مكانٍ آخر. وعندما أعود إلى الحياة الطبيعية، كنت أعتقد أني كنتُ فعلاً في رحلة إلى الجحيم أو في حلم، شيء مرعب.
 
فالشباب الذين يخرجون للتظاهر، إن لم يقتلوا أو يفقدوا، فهم يذهبون إلى السجون. يتم تعذيبهم وضربهم بطريقة وحشية. فقد رأيت وجوهاً مدمّاة، وجوهاً ليست أوجه، بل هي عبارة عن كتل بشرية ممزقة. أجريت العديد من الحوارات أيضاً مع معتقلين من أجل كتاب أعدّه.
 
هناك أمر لا يقترن فقط بالشجاعة، بل بالإخلاص والإصرار. إما أن يُقتل المتظاهرون ويذهبون إلى القبر، أو يعتقلون ويذهبون إلى السجن، ثم يخرجون من السجن ويتظاهرون من جديد، فإما يقتلون أو يعتقلون وهكذا دواليك.
 
في الحقيقة كنتُ على صلة مع الكثير من هؤلاء، وكنت أفكر أنني باعتبار لم أعد أستطيع الخروج كثيراً، ولم أعد أستطيع أن أكتب كما أريد، لأن أي شخص سيكتب وهو في داخل سوريا كان سيضطر إلى التخفي. ولأنه كان من الصعب علي أن أتخفّى في تلك الفترة، فلم أكتب. وقد لجأت لإعداد كتاب أو إجراء حوارات مع الشباب الذين يخرجون للتظاهرات، والذين يعتقلون والذين يساعدون المتظاهرين في إسعاف الجرحى والأطباء وغيرهم.
 
شهادات المعتقلين رهيبة. لم يعاملوا معاملة إنسانية ولا حتى يمكننا أن نقول عنها حيوانية. كان يتم حشرهم جميعاً في أماكن مزدحمة، ويتم الدوس عليهم واستعمال الكهرباء معهم، وجلدهم بالسياط، وتحقيرهم. وكانوا يتعرضون لشتى أنواع التعذيب التي يمكن للإنسان أن يتخيلها.
 
كان بعض المعتقلين يموتون تحت وطأة التعذيب. وأعتقد أن غالبية المفقودين الآن ولدينا عدد كبير منهم يقدّر بالآلاف. يجب أن نبيّن للرأي العام العربي والعالمي أن هؤلاء المتظاهرين سلميون، مطالبهم مشروعة وعادلة ولهم حق بالحرية والكرامة الحقيقية.
 
مصادر حقوق الإنسان أفادتنا بان عددا من المعتقلين يتوفون تحت التعذيب ولا يجرؤ أهلهم حتى على التصريح بذلك، بعد أن تسلم إليهم الجثث...
 
سمر يزبك، أنت ككاتبة، موقف الكتاب في سوريا عموما كان صامتا حيال ما يجري في سوريا، خاصة في المراحل الأولى من هذه الانتفاضة. صوتك اختلف منذ البداية، أي قبل الحراك الراهن. اليوم وقد تقدم الشارع، أين يقف برأيك المثقف السوري مما يحدث ؟
 
أرى أن على الكاتب والمثقف السوري أن يلحق " بالشارع"، أن يلحق بالمتظاهرين. فقد سقطت نظرية النخبة، سقطت إلى الأبد في رأيي نظرا لما يحدث في سوريا، حيث الناس هم الذين قادوا حركة الاحتجاج، وهم الذين خرجوا. وكان فعلاً هناك تأخير في مواقف الكتّاب والمثقفين، لكنهم انضموا لاحقا.
 
جزء منهم !
 
جزء قليل منهم انضم. الحقيقة الوضع مرعب، هناك عملية استبداد عالية وتخويف وترويع. لذا أعتقد أن الصامتين خائفون ويعرفون ما يحدث لكنهم خائفون.
 
فيما يخصني، لا أعرف. الحقيقة أني لم أفكر، لم أتوقع هذا التوحش أو هذا العنف والإجرام من قبل النظام تجاه المتظاهرين وتجاه من ساند الانتفاضة.
 
ما حدث كان مفاجأة لي شخصيا ولغيري، ولكن لم يكن لدينا من خيار. كان يجب علينا الانقياد إلى الشارع. أنا خرجت إلى الشارع بعد أن خرج الناس، لحقت بهم. هذا ما فعلته ولم أفعل أي شيء آخر.
 
لم تكوني خائفة إذاً ؟
 
كنت خائفة، وما زلت حتى الآن. إنه ليس خوفا وإنما حين تأخذين موقفا عليك الذهاب حتى النهاية.
 
عتبة الخوف والترويع عالية، حتى في المقالات التي كتبتها، دائما كانوا يعتقدون أني شجاعة، والأمر ليس كذلك. إنما قررت أن آخذ هذا الموقف وأن أفعل كذا وكذا وكذا...
 
أما الخوف فموجود وهو حالة إنسانية كما الكراهية والحب. أنا خائفة ولا زلت ليس على نفسي فقط، لأنه حتى في هذه اللحظة ونحن نتكلم، يسقط قتلى في سوريا برصاص الجيش والأمن. إنها عملية قتل دائمة تخلق في داخلك نوعا من الهلع والخوف والغضب الدائم.
 
هل تخافين على مستقبل سوريا؟
 
طبعا، أكيد.
 
برأيك، الكتاب والمثقفون الذين صمتوا،هل كان في صمتهم جزء كبير من هذا الخوف على مصير البلد المفتوح على كل الاحتمالات ؟
 
جزء منهم كان لديهم بالتأكيد هذا التخوف، وأعتقد أنه جاء نتيجة دعاية النظام الذي قال أنّ مَن يخرج للتظاهر هم سلفيون، وهذا أمر غير صحيح ومنافٍ للواقع تماما. الذين يخرجون ليسوا سلفيين ولا إسلاميين بالمعنى المتشدد، إنهم أناس عاديون.
 
لكن كان جزء من الكتاب والمثقفين يخافون فعلا من أن تكون هذه الحركة سلفية. في الواقع أنا أحمّل جزءا من المسؤولية لهؤلاء الكتّاب، لأنه حتى ولو كان المتظاهرون إسلاميين، فلا مبرر يبيح قتلهم.
 
أمام ما يحدث في سوريا، هل تحسّين بالعجز؟
 
لا أبدا، أنا أكتب وسأكتب. وجزء من عدم إحساسي بالعجز يكمن في هذه المقابلة. يجب أن نتحدث عما يحدث في الداخل السوري، أن نبين للرأي العام العربي والعالمي أن هؤلاء المتظاهرين سلميّون ومطالبهم مشروعة. 

لم تأت هذه المطالب من الفراغ، وأنا أسمّي ما يحدث في سوريا بثورة العبيد. هؤلاء أناس انتفضوا على أمرَين: الذل والجوع.

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

ابق على اطلاع دائم بالأخبار الدولية أينما كنت. حمل تطبيق مونت كارلو الدولية

شارك :